الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
203
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 12 ] [ سورة يس ( 36 ) : آية 12 ] إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ ( 12 ) لما اقتضى القصر في قوله : إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ [ يس : 11 ] نفى أن يتعلق الإنذار بالذين لم يتبعوا الذكر ولم يخشوا الرحمن ، وكان في ذلك كناية تعريضية بأن الذين لم ينتفعوا بالإنذار بمنزلة الأموات لعدم انتفاعهم بما ينفع كل عاقل ، كما قال تعالى : لتنذر مَنْ كانَ حَيًّا [ يس : 70 ] وكما قال : إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى [ النمل : 80 ] استطرد عقب ذلك بالتخلّص إلى إثبات البعث فإن التوفيق الذي حفّ بمن اتبع الذكر وخشي الرحمن هو كإحياء الميت لأن حالة الشرك حالة ضلال يشبه الموت ، والإخراج منه كإحياء الميت ؛ فهذه الآية اشتملت بصريحها على علم بتحقيق البعث واشتملت بتعريضها على رمز واستعارتين ضمنيتين : استعارة الموتى للمشركين ، واستعارة الإحياء للإنقاذ من الشرك ، والقرينة هي الانتقال من كلام إلى كلام لما يومئ إليه الانتقال من سبق الحضور في المخيلة فيشمل المتكلم مما كان يتكلم في شأنه إلى الكلام فيما خطر له . وهذه الدلالة من مستتبعات المقام وليست من لوازم معنى التركيب . وهذا من أدق التخلص بحرف ( إنّ ) لأن المناسبة بين المنتقل منه والمنتقل إليه تحتاج إلى فطنة ، وهذا مقام خطاب الذكيّ المذكور في مقدمة علم المعاني . فيكون موقع جملة « إنا نحيي الموتى » استئنافا ابتدائيا لقصد إنذار الذين لم يتبعوا الذكر ، ولم يخشوا الرحمن ، وهم الذين اقتضاهم جانب النفي في صيغة القصر . ويجوز أن يكون الإحياء مستعارا للإنقاذ من الشرك ، والموتى : استعارة لأهل الشكر ، فإحياء الموتى توفيق من آمن من الناس إلى الإيمان كما قال تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ [ الأنعام : 122 ] الآية . فتكون الجملة امتنانا على المؤمنين بتيسير الإيمان لهم ، قال تعالى : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ [ الأنعام : 125 ] ، وموقع الجملة موقع التعليل لقوله : فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ [ يس : 11 ] . والمراد بكتابة ما قدموا الكناية عن الوعد بالثواب على أعمالهم الصالحة والثواب على آثارهم .